هل سمعتم بقصة الشيخ الوقور وركاب القطار ؟؟

أيلول 25th, 2008 كتبها أدهــــم الشـــرقاوى00فـــارس العـــرب نشر في , قصه

   هل سمعتم بقصة الشيخ الوقور وركاب القطار



هل سمعتم بقصة الشيخ الوقور وركاب القطار ؟؟ إذا فاقرءوها الآن فكم هي شيقة !! وكم هي معبرة !! وكم هي خاصة بكل واحد منا !!
فأنا وأنت وهو وهي قد عايشناها لحظة بلحظة .. !!
حصلت هذه القصة في أحد القطارات …
ففي ذات يوم أطلقت صافرة القطار مؤذنة بموعد الرحيل .. صعد كل الركاب إلى القطار فيما عدا شيخ وقور وصل متأخرا .. لكن من حسن حظه أن القطار لم يفته .. صعد ذلك الشيخ الوقور إلى القطار فوجد أن الركاب قد استحوذوا على كل مقصورات القطار ..
توجه إلى المقصورة الأولى …
فوجد فيها أطفالا صغارا يلعبون و يعبثون مع بعضهم .. فأقرأهم السلام .. وتهللوا لرؤية ذلك الوجه الذي يشع نورا وذلك الشيب الذي أدخل إلى نفوسهم الهيبة والوقار له .. أهلا أيها الشيخ الوقور سعدنا برؤيتك .. فسألهم إن كانوا يسمحون له بالجلوس ؟؟ ..
فأجابوه : مثلك نحمله على رؤسنا .. ولكن !!! ولكن نحن أطفال صغار في عمر الزهور نلعب ونمرح مع بعضنا لذا فإننا نخشى ألا تجد راحتك معنا ونسبب لك إزعاجا .. كما أن وجودك معنا قد يقيد حريتنا .. ولكن إذهب إلى المقصورة التي بعدنا فالكل يود استقبالك …
توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة الثانية ..
فوجد فيها ثلاثة شباب يظهر انهم في آخر المرحلة الثانوية .. معهم آلات حاسبة ومثلثات .. وهم في غاية الإنشغال بحل المعادلات الحسابية والتناقش في النظريات الفيزيائية .. فأقرأهم السلام …. ليتكم رأيتم وجوههم المتهللة والفرحة برؤية ذلك الشيخ الوقور .. رحبوا به وأبدوا سعادتهم برؤيته .. أهلا بالشيخ الوقور .. هكذا قالوها .. فسألهم إن كانوا يسمحون له بالجلوس ..!!!
فأجابوه لنا كل الشرف بمشاركتك لنا في مقصورتنا ولكن !!! ولكن كما ترى نحن مشغولون بالجا والجتا والمثلثات الهندسية .. ويغلبنا الحماس أحيانا فترتفع أصواتنا .. ونخشى أن نزعجك أو ألا ترتاح معنا .. ونخشى أن وجودك معنا جعلنا نشعر بعدم الراحة في هذه الفرصة التي نغتنمها إستعدادا لإمتحانات نهاية العام .. ولكن توجه إلى المقصورة التي تلينا .. فكل من يرى وجهك الوضاء يتوق لنيل شرف جلوسك معه …
أمري إلى الله .. توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة التالية ..
فوجد شاب وزوجته يبدوا أنهم في شهر عسل .. كلمات رومانسية .. ضحكات .. مشاعر دفاقة بالحب والحنان … أقرأهما السلام .. فتهللوا لرؤيته .. أهلا بالشيخ الوقور .. أهلا بذي الجبين الوضاء .. فسألهما إن كانا يسمحان له بالجلوس معهما في المقصورة ؟؟؟
فأجاباه مثلك نتوق لنيل شرف مجالسته .. ولكن !!! .. ولكن كما ترى نحن زوجان في شهر العسل .. جونا رومانسي .. شبابي .. نخشى ألا تشعر بالراحة معنا .. أو أن نتحرج متابعة همساتنا أمامك .. كل من في القطار يتمنى أن تشاركهم مقصورتهم ..
توجه الشيخ الوقور إلى المقصورة التي بعدها ..
فوجد شخصان في آوخر الثلاثينيات من عمرهما .. معهما خرائط أراضي ومشاريع .. ويتبادلان وجهات النظر حول خططهم المستقبلية لتوسيع تجارتهما .. وأسعار البورصة والأسهم ..
فأقرأهما السلام … فتهللا لرؤية .. وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أيها الشيخ الوقور .. أهلا وسهلا بك يا شيخنا الفاضل .. فسألهما إن كانا يسمحان له بالجلوس ؟؟؟ فقالا له : لنا كل الشرف في مشاركتك لنا مقصورتنا … بل أننا محظوظين حقا برؤية وجهك الو ضاء .. ولكن !!!! ” يالها من كلمة مدمرة تنسف كل ما قبلها ” .. كما ترى نحن بداية تجارتنا وفكرنا مشغول بالتجارة والمال وسبل تحقيق ما نحلم به من مشاريع .. حديثنا كله عن التجارة والمال .. ونخشى أن نزعجك أو ألا تشعر معنا بالراحة .. اذهب للمقصورة التي تلينا فكل ركاب القطار يتمنون مجالستك ..
وهكذا حتى وصل الشيخ إلى آخر مقصورة ..
وجد فيها عائلة مكونة من أب وأم وابنائهم .. لم يكن في المقصورة أي مكان شاغر للجلوس ..
قال لهم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. فردوا عليه السلام .. ورحبوا به … أهلا أيها الشيخ الوقور ..
وقبل أن يسألهم السماح له بالجلوس .. طلبوا منه أن يتكرم عليهم ويشاركهم مقصورتهم .. محمد اجلس في حضن أخيك أحمد .. أزيحوا هذه الشنط عن الطريق .. تعال يا عبد الله اجلس في ح

المزيد


الرجــــــوع الى الله

أيلول 25th, 2008 كتبها أدهــــم الشـــرقاوى00فـــارس العـــرب نشر في , قصه

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
الرجوع الى الله


كاد يجنُّ من الفرح ، و يطير من فرط السعادة ؛ ولم تسعه ثيابه كما يقال ؛ عندما سمع نبأ قبوله في البعثة الخارجية إلى فرنسا . كان يشعر أنه سيمتلك الدنيا
ويصبح حديث مجالس قومه ؛ وكلما اقترب موعد السفر، كلما شعر أنه أقبل على أبواب العصر الحديث التي ستفتح له آفاقاً يفوق بها أقرانه وأصحابه ..

شيءٌ واحدٌ كان يؤرقه .. ويقضُ مضجعه .. كيف أترك مكة ! سنين طوالاً وقد شغف بها فؤادي وترعرعت بين أوديتها ، وشربت من مائها الحبيب من زمزم العذب ، ما
أنشز عظامي و**اها لحماً ! ؛ وأمي ..أمي الغالية من سيرعاها في غيابي .. إخوتي يحبونها .. لكن ليس كحبي لها .. من سيوصلها من الحرم لتصلي فيه كل يوم
كعادتها ؟! .. أسئلة كثيرة .. لا جواب عليها . أزف الرحيل .. وحزم الحقائبَ ؛ وحمل بيده التذاكرَ .. وودع أمَّـه وقبلَّ رأسها ويديها .. وودع إخوته
وأخواته
.. واشتبكت الدموعُ في الخدود .. وودع مكة المكرمة والمسجد الحرام .. وسافر والأسى يقطّع قلبه …

قدم إلى فرنسا بلادٍ لا عهد له بها .. صُعق عندما رأى النساء العاريات يملأن الشوارع بلا حياء .. وشعر بتفاهة المرأة لديهم .. وحقارتها وعاوده حنينٌ شديد
إلى أرض الطهر والإيمان .. والستر والعفاف ..

انتظم في دراسته .. وكانت الطامة الأخرى !! يقعد معه على مقاعد الدراسة .. بناتٌ مراهقاتٌ قد سترن نصف أجسادهن .. وأبحن النصف الآخر للناظرين ! ؛ كان يدخل
قاعة الدرس ورأسه بين قدميه حياءً وخجلاً !! ولكنهم قديماً قالوا : كثرةُ الإمساس تُفقد الإحساس .. مرَّ زمنٌ عليه .. فإذا به يجد نفسه تألف تلك المناظر
.. بل ويطلق لعينيه العنان ينظر إليهن .. فالتهب فؤاده .. وانساق الى الضلال.. وما أسرع ما كان ! .

أتقن اللغة الفرنسية في أشهر يسيرة !! وكان مما شجعه على إتقانها رغبته في التحدث إليهن .. مرت الأشهر ثقيلةً عليه .. وشيئاً فشيئاً ..وإذا به يقع في أسر
إحداهن من ذوات الأعين الزرقاء ! والعرب قالوا قديماً : زرقة العين قد تدل على الخبث[1].. ..

ملكت عليه مشاعره في بلد الغربة .. فانساق وراءها وعشقها عشقاً جعله لا يعقل شيئاً .. ولا يشغله شيءٌ سواها .. فاستفاق ليلة على آخر قطرة نزلت من إيمانه
على أعقاب تلك الفتاة .. فكاد يذهب عقله .. وتملكه البكاء حتى كاد يحرق جوفه .. ترأى له في أفق غرفته .. مكةُ .. والكعبةُ .. وأمُّه .. وبلاده الطيبة !
احتقر نفسه وازدراها حتى همَّ بالانتحار ! لكن الشيطانة لم تدعه .. رغم اعترافه لها بأنه مسلمٌ وأن هذا أمرٌ حرمه الإسلام ؛ وهو نادمٌ على مافعل .. إلاَّ
أنها أوغلت في استدارجه إلى سهرة منتنةٍ أخرى .. فأخذته إلى منزلها .. وهناك رأى من هي أجمل منها من أخواتها أمام مرأى ومسمع من أبيها وأمها ! لكنهم أناسٌ
ليس في قاموسهم كلمة ( العِرض ) ولا يوجد تعريف لها عندهم .. لم يعد همُّه همَّ واحدٍ .. بل تشعبت به الطرق .. وتاهت به المسالك .. فتردى في مهاوي الردى
..
وانزلقت قدمه إلى أوعر المهالك ! ما استغاث بالله فما صرف الله عنه كيدهن ؛ فصبا إليهن وكان من الجاهلين ؛ تشبثن به يوماً .. ورجونه أن يرى معهن عبادتهن
في
الكنيسة في يوم (الأحد) .. وليرى اعترافات المذنبين أمام القسيسين والرهبان !! وليسمع الغفران

المزيد


امــــــــــرأة صـــــــابرة ( ليوسف السباعي

أيلول 22nd, 2008 كتبها أدهــــم الشـــرقاوى00فـــارس العـــرب نشر في , قصه

امرأة صـــــــابرة ( ليوسف السباعي )

         إمــــــــــــرأة صـــــــابرة
انطلق بنا صاحبي بعربته في شارع فؤاد متجها إلى الزمالك، وكانت الساعة التاسعة مساء، وقد خرجنا من إحدى دور السينما، ودهشت من صاحبي وخيل إلي أن ذهنه قد شرد به فأخطأ الطريق، إذ كان علينا أن نعود أدراجنا، بعد ذلك، إلى مصر الجديدة، وصحت به متسائلا:
- إلى أين؟
- إلى أنجه هانم.
- ومَن تكون أنجه هانم؟
- سيدة تركية لطيفة ستعجبك كثيرا ..
- وفيم ذهابنا إليها؟!
- لنأكل عاشورة.. فقد دعتني لتناولها، ولا أظنها إلا مرحبة بوجودك معي.
ووقفت العربة .. ودلفنا إلى الدار .. دار دل مظهرها على مدى ما يستمتع به أهلها من ثراء وسعة من العيش .. ولقيت المرأة .. بين الشباب والكهولة .. لم تستطع السنون أن تمحو رونق شبابها أو نضرته .. وأحسست بنفسها رقة طبيعية غير مصطنعة، وبحديثها عذوبة غير متكلفة.
وعندما غادرنا الدار علمت من صاحبي أن المرأة أرملة طبيب معروف لم يطل العهد على وفاته، وأنها تعيش في الدار وحيدة مع طفلتها.. وسمعت من صاحبي ثناء عطرا عليها، ومديحا في خلقها وفي سمو نفسها.
وتكررت زيارتي للسيدة مع صاحبي بضع مرات .. دون أن أعرف بالضبط سبب صلته بها.. أو أحدد مدى علاقته معها .. فقد كنت اشك كثيرا في دعواه أنه كان صديق زوجها .. إذ لم أسمع بهذه الصداقة من قبل .. حتى فوجئت ذات يوم بمعرفتي خبر زواجه بها .. أقول أني فوجئت لأنه لم يخطر ببال قط أن صحبي هذا سيتزوج، لأني أعرفه مبغضا للزواج معرضا عنه، حتى لقد جاوزت به السن مرحلة الشباب دون أن يفكر فيه، بل كان يبدو لي أنه قد عزم على أن يقضي ما تبقى من عمره “أعزب” .. وأنه قد صمم على ألا يتيح الفرصة لامرأة، أيا كانت، أن تفسد عليه حياته..
وفوجئت أيضا.. لأني قد رأيت الرجل بعد طول صيام، أفطر .. كما يقولون “على بصلة” .. أو على الأقل هذا ما خيل إلي.. فمهما قيل عن كرم خلقها، ورقة نفسها، فهي على أي حال أرملة ذات أبناء.. قد ولى الشباب عنها أو كاد، كذلك البصلة قد تكون خضراء ناضرة أو حمراء طليانية ممتلئة، ولكنها لن تزيد عن أن تكون بصلة.

كذلك أدهشني من جانب البصلة، أعني المرأة، بعد كل ما تخيلته فيها من اتزان وعقل وخلق .. أن تقدم على الزواج ولم يمض عام على وفاة زوجها.

وهكذا بدا لي الزواج من الجانبين شيئا يبعث على الحية.
وحاولت أن أتلمس لهما عذرا، وأخذت أفكر .. فانتهى بي التفكير إلى تعليل واحد لست أستطيع أن أجزم بمداه من الصحة.. ولكن لا أخال شخصا قد عرف بنبأ الزواج إلا انتهى إلى مثل هذا التعليل، وهو أن الرجل قد أغراه ثراء المرأة .. وأما المرأة فقد فتنها الرجل.. فهو على رغم ما قلته من تجاوزه مرحلة الشباب، ما زال يحتفظ بوسامته وقدرته على اجتذاب النساء.
وتعودت بعد ذلك أن أزور صاحبي في داره الجديدة.. أعني دار الأرملة الثرية بالزمالك.
وفي ذات يوم، ذهبت لزيارته فلم أجده.. ودعتني السيدة إلى البقاء لانتظاره فجلست أجاذبها أطراف الحديث.
ولست أدري كيف ساقنا الحديث إلى ذكر زوجها السابق.. ولكني وجدت السيدة تطرق برأسها برهة، ثم ترفع وجهها إلي متسائلة:
- لا شك أن زواجي بمثل هذه السرعة قد أثار دهشتك!!
وشعرت بحرج شديد ، ولم أدر بم أجيب.
إن قلت أنه قد أثاره .. كان قولي بمثابة اتهام لها بارتكاب خطأ أثار الدهشة .. وإن قلت انه لم يثر دهشتي فكأنني أراها امرأة سوء لا يدهش المرء أن يراها ترتكب خطأ.
ولكن السيدة لم تنتظر جوابي بل أردفت قائلة:
- أنا أعلم أنه شيء يثير الدهش.. فقد كان يجب علي أن أصبر وأنتظر.. على الأقل حتى يتم العام، ولكن دعني أقص عليك قصة مسلية.. أغلب الظن أنها ستزيل كثيرا من دهشك:
- كان ذلك منذ زمن بعيد، وكنت أعيش في أنقرة مع أبي وهو أحد الأطباء الباطنيين، وكنت قد بلغت السادسة عشر من عمري عندما بدأ الضوء يخبو في عيني أمي شيئا فشيئا، حتى انتهى بها الأمر بعد بضعة شهور إلى فقد بصرها، فأصابنا جزع شديد، فقد أحسسنا مبلغ ما كانت تقاسيه من ألم نفساني شديد.

وفي ذات يوم أقبل أبي وقد تهلل وجهه وشع من عينيه بريق أمل، وأنبأنا أن أعظم أطباء العيون في أوربا يمر الآن بأنقرة.. وهو يظن أنه يستطيع أن يعيد إلى أمي بصرها.
وفي اليوم التالي حضر أبي ومعه مساعده، وهو زميل أصغر منه كان يعتبر صديق العائلة.. ومعهما رجل ذو لحية صغيرة مدببة لم أشك في أنه الطبيب الأوربي الشهير، وعندما انتهى من فحصه عن أمي سمعته يقول: “هناك بعض الأمل.. إننا نستطيع أن نرد إليها بصرها، ولكنها قد لا تستطيع الاحتفاظ به .. على أي حال .. لنجرب .. فلن يكون هناك أسوأ مما هي عليه الآن”.

وأجريت العملية.. فكانت النتيجة باهرة، أكثر مما يخطر لنا على بال.. فقد أصبحت تستطيع الإبصار أحسن منها في أي وقت مضى.

وكان الوقت ربيعا، والطبيعة قد اكتست أبهى حللها، كأنها قد رغبت ألا يقع بصر أمي إلا على كل ما هو نضر وجميل، وإني لأذكرها في ذلك الوقت، وقد وقفت بجانبي في إحدى الشرفات المطلة على الحديقة بجسدها الفارع الممشوق بلا ترهل ولا استرخاء، ورأسها الصغير الجميل، وملامحها الساكنة الهادئة، وقد سبحت بعينيها في الأفق عندما اختفت الشمس وخلفت للسماء حمرة الشفق.. فصبغ الكون بلون أرجواني جميل، وبدت الأرض منمقة مزركشة، قد كستها الزهور المتفتحة، وحمل إلينا النسيم عبير زهر البرتقال فملأت أمي منه رئتيها في شهيق طويل كأنما تعب منه عبا، وسمعتها تهمس كأنها تحدث نفسها: ” ليحدث بعد ذلك ما يحدث ما دمت قد أبصرت هذا .. إني سأختزن في نفسي من هذا الجمال ما يعينني على المضي في حياتي.. حتى ولو لم أبصر بعد ذلك”.

وفي الأشهر القلائل التي أعقبت ذلك بدا لي أنها تحاول حقا أن تختزن في نفسها ذكريات جميلة لكا ما ترى.. لقد كانت لا تبصر المرئيات مجرد إبصار عابر، بل كانت تبدو وكأنها تحاول أن تستذكرها، كما يستذكر تلميذ درسه لكي يعيه رأسه، لقد كانت تحاول أن تبصر، لا بعينيها فقط، بل برأسها وقلبها.
ولقد كنت أجدها أحيانا تناديني فجأة.. ثم تلف ذراعيها حول كتفي وتشملني بنظرات نهمة، وتحدث نفسها هامسة:
- شعر ذهبي .. ووجه أبيض دقيق التقاطيع، وعينان خضراوان ممتلئتان بالأحلام.
وكنت كثيرا ما ألمحها تشخص في أبي بنفس النظرات وقد استلقى في مقعده مستغرقا في القراءة.. فكنت أذكر قولها : أنها ستختزن من المرئيات ما يعينها على الحياة فيما لو فقدت بصرها مرة أخرى.
ولم تمض بضعة شهور حتى خبا ضوء عينيها مرة أخرى، وفي هذه المرة لم يكن هناك أمل في برء، أو رجاء في شفاء، فقد ذهب بصرها إلى غير عودة.. وألمت بها ظلمة دامسة لا يلوح لها في حلكتها قبس من ضياء.. وكانت هي تدرك الحقيقة .. ومع ذلك فقد بدا لي أنها قانعة راضية ، وأنها كانت قد أخذت أهبتها لذلك.. أو كما قالت .. اختزنت لنفسها من الذكريات ما يجعلها في غير حاجة إلى متعة البصر.. لقد وعت كل ما تحب أن تراه في ذهنها وفي قلبها.. إن الظلمة لم تفاجأها هذه المرة ولم تأخذها على حين غرة .. حتى لقد سارت حياتها كما كانت من قبل، دون أقل تغيير أو تبديل ، فما انقطعت من زيارتها للأصدقاء، ومن خروجها للنزهة والتجوال في الأسواق.
وكنت أصطحبها أينما سارت، وقد أسندت يدها بخفة على ذراعي وسارت في ثقة واطمئنان، وكان أحب الأشياء ليها أن نخرج سويا للنزهة .. وأن أصف لها كل ما أراه وصفا دقيقا.. وتعودت أنا ذلك الأمر حتى أجدته كل الإجادة، وأصبحت الألفاظ تنساب من شفتي في سهولة كأني أقرأ صفحات كتاب، وكانت كثيرا ما تحدثني ضاحكة:
- لقد أصبحت مدهشة.. حتى لكأني أرى من حديثك كل ما ترين، ولكني لا أود أن أعتمد عليك كل الاعتماد، لأنك ستغادرينني في يوم ما، وتذهبين في طريقك. أجل. لابد لي من خادمة تقودني من الآن.
- يا أماه !! إني لن أفارقك أبدا .. حتى نهاية العمر.
وفي ذات مرة عدنا إلى الدار، فوجدت أبي ومساعده قد جلسا في الردهة، وعندما ذهبت أمي إلى حجرتها أخبرني أبي أنه قد أوصى على خادمة تتولى عني مهمتي .. فقلت له في دهشة: ” إنني لا أشكو شيئا، وأني لم أطلب أن يتولى عني أحد أمر أمي”.
فقال أبي : “إن هذا الأمر لا بد منه إن عاجلا أو آجلا، فلا بد أن يأتي يوم تفارقينها فيه”.
فأجبته: “إن ذلك اليوم لن يأتي ما دام أحدنا على قيد الحياة”.
وسمعت الشاب يتمتم قائلا:
- لا أظنك تتخيلين أنك ستقضين حياتك هكذا، مجرد ظل.. لأنك لا شك ستكونين لحياتك الخاصة، ولزوجك وأولادك.
ونفذت هذه الكلمات إلى نفسي كأنها السام، فما من أحد في هذه الحياة يرغب أن يكون مجرد ظل لآخر، وما من شك في أن آمالا تراود نفسي فتصور لها حياة مستقبلية مفعمة بالهناءة وبيتا جميلا وزوجا وأولادا، ولكنني كنت لا أدع نفسي تنساب مع هذه الآمال، فقد كنت أعتقد أن هذه الدنيا لا بد أن يضحي فيها البعض لكي يسعد البعض الآخر، وكنت أرى القدر قد جعلني من ذلك البعض الذي يجب عليه أن يضحي، فقبلت التضحية، إذ كنت أحس أن أمي لا تستطيع الاستغناء عني، وأن أحدا لا يستطيع أن يقوم لها بما أقوم به.. لقد كان يجب علي أن أعوض لها بصرها الذي فقدته.
ولم أشك في أن أبي ومساعده قد تحدثا عني مليا، وخيل إلي أني استطعت أن أخمن موضوع الحديث، وإن كنت لم أستطع أن أعرف ما قيل بوجه التحديد.
لقد تحدثا بلا شك عن مسألة زواجي.. فأغلب ظني أن هذا هو ما أثار مسألة الخادمة، ولكن كيف تحدثا، وماذا قالا؟ لست أدري، لقد كان مساعد أبي – كما قلت لك – صديق العائلة، وكنت أعتبره أخا أكبر ، ولا شيء أكثر من هذا، والواقع أنه كان رجلا هاديء الطبع، جميل الخلق، ذا مظهر محترم.. رجلا يستطيع المرء أن يركن إليه في الشدة والضيق، ولكني مع ذلك لم تخطر على بالي فكرة زواجه.. إذ لم يكن هو الزوج الذي تصوره لي الأحلام، والذي كنت في قرارة نفسي أتلهف عليه، لست أدري .. لم؟ ولكن هذا هو ما كنت أحس به.
ولكن مالي ولهذا الحديث، وأنا التي فرض عليها القدر قبول التضحية.. ورسم لها الطريق الذي لا تستطيع أن تحيد عنه، وخاصة بعد أشهر من هذا الحديث.. عندما أصابني القدر بأول فاجعة حددت لي الطريق تحديدا واضحا.. فقد مات أبي، واصبحت وحيدة مع أمي!!

ومرت بي الأيام بعد ذلك، وأكون كاذبة مدعية إن قلت إنها لم تكن طويلة مملة، وأن ثورة مكبوتة لم تكن تعتمل في صدري وأنا في مثل هذه السن الثائرة الفائرة التي تحس فيها الفتاة بنهم إلى الحياة، والتي لم أكن أفعل فيها شيئا سوى ملازمة أمي والحديث إليها، وسوى بعض نزهات يصحبني فيها مساعد أبي الذي كان شديد العطف علي.
وفي مرة من هذه المرات، سألني الزواج، قائلا بصراحته وهدوءه اللذين عهدتهما فيه.. محاولا أن يواجه في قوله كل الحقائق التي تحيط بنا:
- أنا أعلم أنني أكبرك كثيرا، وأعلم أيضا أنك لا تحبينني.. اعني ذلك الحب المشتعل الذي يتأجج في الصدور، ولكنني أعتقد أننا قد نستطيع أن نسير جنبا إلى جنب، وأن يعاون كل منا الآخر في حياته.. ويمكن لأمك أن تعيش معنا.. لقد أحببتك دائما.. وتمنيت في كل لحظة أن نكون شريكين في حياة واحدة.

وسادت بيننا فترة صمت طويلة، عصفت خلالها برأسي الأفكار بشدة وعنف، ثم أجبت في النهاية بنفس الص

المزيد